"ولي النعم".. سيرة محمد علي كما يرويها خالد فهمي

12:53 م

 

أسامة فاروق


يقول محمد كلفت، مترجم كتاب "ولي النعم.. محمد علي باشا وعالمه"، أحدث كتب الباحث والمؤرخ د. خالد فهمي، إنه تلقى ألطف رأي سلبي من المؤلف على المسودة الأولى للترجمة؛ إذ تحفظ فهمي على ما اعتبره "احتراماً زائداً" له كمؤلف. ولعل هذه الملاحظة تكشف مفتاحاً منهجياً في الكتاب نفسه؛ فكما رفض فهمي أن يُحاط بهالة تقديس، حرص هو بدوره على ألا يقع ضحية "الاحترام الزائد" للشخصية التي يكتب عنها.

من هنا يبدأ الكتاب باقتباس لرحّالة إنكليزي التقى محمد علي شخصياً. اختار فهمي هذا الاقتباس تحديداً لأن صاحبه، في رأيه، لم يكتف بوصف دقيق للباشا، بل لم يقع أسير سحره، ولم يتخل عن حقه في إصدار حكم نقدي عليه. ذلك هو المبدأ الذي يحكم الكتاب كله، كما يقول: "أسعى إلى كتابة سيرة نقدية لهذه الشخصية الفذة، سيرة تقدر لمحمد علي مكانته الفريدة وتثمن إنجازاته العديدة دون أن تنزلق إلى التمجيد غير النقدي أو الإعجاب المفرط". يساعده في ذلك أن ولاءه، ليس للحاكم بل لرعاياه؛ للمصريين الذين نالهم - في تقديره - نصيب وافر من الظلم والهوان والمعاناة. وقد مهّد لهذه الرؤية في كتابيه السابقين: "كل رجال الباشا" و"السعي للعدالة"، حيث تناول في الأول جيش محمد علي وفكرته، وفي الثاني تقاطعات الطب والسياسة والقانون في مصر الحديثة. أما في هذا الكتاب، فلم يكن بدّ من العودة إلى البداية: سيرة الباشا نفسه، ميلاده وشبابه، وصولاً إلى لحظة قدومه إلى مصر وحتى وفاته فيها عن عمر ناهز الثمانين عاماً، لتكتمل بذلك ثلاثية محكمة ترصد فترة حكمه وتفكك مقولة "باني ومؤسس مصر الحديثة".

غير أن اللافت في هذا العمل لا يقتصر على زاويته النقدية، بل يمتد إلى نوعية مصادره. فقد اعتمد المؤلف بدرجة كبيرة على مراسلات محمد علي الشخصية إلى أبنائه ومرؤوسيه في المصالح المختلفة. وكان الباشا قد فطن مبكراً إلى أهمية التوثيق، فاعتنى بحفظ خطاباته، ثم واصل خلفاؤه تبويبها وترجمتها من أصلها التركي. وأصبحت هذه المراسلات نواة دار الوثائق القومية التي افتُتحت رسمياً عام 1954. وكان خالد فهمي من القلائل الذين أتيح لهم الاطلاع المباشر على هذه الوثائق، بل تعمق في تعلم التركية ليقرأ النصوص في أصلها قبل ترجمتها، وهو ما يمنح السيرة طابعاً فريداً، كأننا نصغي إلى صوت محمد علي نفسه.

سنوات العراك والبؤس

لا يُعرف الكثير عن أسرة محمد علي. علاقته بوالده - الذي شغل منصباً عسكرياً بحسب الروايات - تبدو مضطربة، بينما تولت أمه تنشئته تنشئة مدللة لم يرض عنها لاحقاً. لم يحب محمد علي طفولته في مدينة "قوله" شمال اليونان، ويقول في إحدى الوثائق: "أنا لا أحب تلك الفترة من حياتي... يكفيني أن تعرف الأجيال القادمة أن كل ما بلغه محمد علي لا يدين به لا إلى حظوظ الميلاد ولا إلى محاباة ولا إلى أحد سوى نفسه". وفي موضع آخر يصف تلك السنوات بأنها "سنوات العراك والبؤس، سنوات المكر وسفك الدماء". ويعتبر أن ميلاده الحقيقي بدأ عندما نزح من قوله ضمن القوة التي أُعدت لمواجهة الفرنسيين في مصر: "لن يبدأ تاريخي إلا حين يأتي زمن أتمكن فيه، بعد تحرري من كل قيد، من إيقاظ مصر، التي أحبها حبي لبلادي، من سبات العصور وأهيئها في خلق جديد". والمفارقة أنه حين وصل إلى الإسكندرية عام 1801 لم يكن شاباً غضاً، بل تجاوز الثلاثين، وكان متزوجاً وأباً لخمسة أطفال. غير أن السيرة - كما يصوغها هو - تبدأ من هذه اللحظة التي قرر فيها أن يعيد اختراع نفسه.

يلتقط فهمي هذا الخيط ليتتبع "الميلاد الجديد"، بل يضيف إليه ميلاداً آخر في ستينيات الباشا، حين أعاد تشكيل صورته ليصبح "رجل دولة عالمياً" يناطح السلطان العثماني. ففي سنواته الأولى بمصر لم يعد ذلك الشاب المندفع، بل قدّم نفسه للفصائل المتحاربة بوصفه حكماً "لا ناقة له ولا جمل" في صراعاتهم، وقادراً على تسوية النزاعات. وكأنما - في عبارة فهمي – "أعاد خلق نفسه في أربع سنوات؛ فخلع عباءة الفتوة القروي، ولبس لباس رجل الدولة بحق، رجل دولة يحظى بثقة الأصدقاء، واحترام الأعداء، وطاعة الأتباع". ومنذ أيامه الأولى في مصر سعى إلى بناء شبكة علاقات مع المشايخ والأعيان، بثقة ومكر مكّناه من أن يبدو وكأن فرمان توليته جاء استجابة لرغبة المصريين لا طموحاً شخصياً منه. ثم، عبر سلسلة من الإجراءات المتعاقبة، عزز قوته الاقتصادية بالاستحواذ والاحتكار، ورسّخ موقعه السياسي بالتخلص من منافسيه، وعلى رأسهم المماليك.

ضرورة المذبحة

جاءت مذبحة المماليك كلحظة الحسم؛ فبعد عشر سنوات من وصوله، وست سنوات من تعيينه والياً، انفرد بحكم البلاد. وخلال تلك الفترة، كما يرصد الكتاب، نجح في تحجيم الزعامات الشعبية، وفرض الضرائب على أراضي رجال الدين، وقلص امتيازاتهم، وأرسى في الوقت نفسه أسس ثروته الخاصة. ومن جديد تتيح المراسلات سماع الرواية بصوت صاحبها. ففي رسالته إلى الصدر الأعظم يشرح ملابسات المذبحة ببرود إداري يكشف منطقه في الحكم، معتبراً ما جرى ضرورة سياسية لا مفر منها. يقول محمد على في رسالته لشرح ملابسات هذا الحدث الجلل: "عندما اقتنع عقلي القاصر بأن هؤلاء الأشقياء يختارون الهلاك... ولا ينجذبون إلى خدمتنا المصطنعة ولا يقعون في فخنا المدبر تذرعت بوسيلة موكب إخراج ولدي طوسون أحمد باشا إلى بركة الحج، فجلب جميع من في خدمتنا ظاهراً حسب الضرورة من الأمراء المماليك البالغ عددهم أربعة وعشرين أميراً وجميع الكشاف وأعوانهم... وأتباع هؤلاء الفارين الذين أتوا في النهاية، وأدخلوا القلعة جميعهم وغلقت أبواب القلعة عقب ذلك، فقتل الأشقياء المرموقون جميعاً من غير إخلاء أحد منهم، وأرسلوا إلى ديار الموت والعدم".

من يراقب الحرس؟

اعتمد محمد علي على دائرته العائلية في تنفيذ سياساته، حتى أصبحت الأسرة نفسها مركز السلطة. وصار أفراد النخبة الجديدة يقيسون وزنهم بمدى قربهم منها. ولضبط هذه الدائرة، أخضع المقربين لرقابة دقيقة، وكان من أبرز معاونيه محمد لاظ أوغلي الذي أحبط أكثر من مؤامرة. كما لعب بوغوص يوسيفان دوراً محورياً في علاقاته بالتجار الأوروبيين. ويروي الكتاب قصصاً تكاد تبدو خيالية عن علاقتهما؛ إذ اعتز الباشا بنصائحه حيناً، ونقم عليه حيناً آخر حتى أمر بقتله، ثم أعاد استدعاءه عندما علم بأن أمره لم ينفذ، لتتوثق العلاقة بينهما حتى صار بوغوص بمثابة "مرآته الشخصية"! وعندما توفي، غضب الباشا لأن جنازته لم تُقم على النحو اللائق، فأمر بإعادة دفنه في جنازة عسكرية، فعندما سمع بأنه وورى التراب على عجل أرسل خطاباً إلى قائد قواته قال فيه: "إلى نجلي المبجل جداً إلى السيد المحظوظ جداً عثمان باشا؛ إنك حمار؛ إنك غبي. كيف لا تصطحب أنت والقوات تحت إمرتك الرجل الذي أخلص لك وقام بتربيتك إلى مثواه الأخير؟! عندما يصلك هذا الأمر توجه في الحال أنت وكل الضباط في حامية الإسكندرية إلى كنيسة الأرمن وقم بإخراج جثمان بوغوص وادفنه مرة أخرى في جنازة عسكرية وتشريفة، أحذرك أن تعصي الأوامر".

كان محمد علي يؤمن بأن ترهيب المرؤوسين هو السبيل الأنجع لفرض النظام. وتمتلئ مراسلاته بالتحذير من التهاون والتقصير. غير أن مشكلة النخبة - كما يطرح فهمي في سؤاله: "من يراقب الحرس؟" - لم تكن في الكسل وحده، بل في الفساد وسوء استخدام السلطة. وكان الباشا واعياً بخطورة ذلك على استقرار حكمه، فكان يتدخل بحزم بالغ، إلى حد أنه أمر بقتل ابنته نازلي عندما علم بأنها أمرت بقتل إحدى جواريها بدافع الغيرة، ولم يُنقذها سوى تدخل عباس باشا. لذلك كانت دائرة مستشاريه تعامله وكأنه "مصدر الوحي، وتردد كل ما يقوله، وتظهر له أن أحكامه فوق مستوى الخطأ".

محاكمة

بحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان قد أنجز مشاريع كبرى بدت لكثيرين "أحلام رجل مجنون". وعلى مدى 43 عامًا من الحكم، رسّخ سلطته، وأنشأ نواة جيش نظامي، وخاض حروباً توسعية، وانتزع في النهاية فرماناً بالحكم الوراثي لأسرته بعد صراع طويل مع السلطان العثماني. غير أن هذه الإنجازات تحققت بكلفة باهظة. فقد أُنهك الاقتصاد المصري، وتعرض الفلاحون لسياسات تعسفية واحتكارية صارمة. لذلك يخلص فهمي إلى أن "ولي النعم" - اللقب الذي أحبّ محمد علي أن يُدعى به - لم يقُد البلاد للحاق بركب الحضارة كما روّجت السردية التقليدية، بل كان سبباً في إفقار واسع ومعاناة ممتدة. ومع ذلك، لا يقدّم المؤلف حكماً نهائيا مجرداً، بل يربط التقييم بزاوية النظر؛ فإذا تجاهلنا السياق العثماني وحوسب محمد علي بمنظور الدولة القومية الحديثة، بدا مشروعه فاشلاً أو مشوّهاً. أما إذا قُرئ وفق منطق الباشا نفسه في النظر إلى مصر باعتبارها "بقرة حلوب، أو دجاجة تبيض ذهبا" أو بالأحرى "عزبة خاصة ملأى بهذه الأبقار والدجاجات" فإن مشروعه - بهذا المعنى - نجح نجاحاً مذهلاً.

--------------------------

خالد فهمي؛ يشغل منصب أستاذ كرسي إدوارد كلر لدراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة تافتس بالولايات المتحدة. له مؤلفات عديدة بالعربية والإنجليزية في موضوعات تتعلق بتاريخ مصر. من مؤلفاته: "كل رجال الباشا: محمد على وجيشه وبناء مصر الحديثة"، و"السعي للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة". "ولي النعم" أحدث أعماله وصدر مؤخرا عن دار الشروق.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة