مقالات

ثقافة

رواية

أحدث المواضيع

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

1:02 م اضف تعليق

 




سؤال مرّ يجدد نفسه مع كل صراع على النفوذ أو البقاء

TT

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

"ولي النعم".. سيرة محمد علي كما يرويها خالد فهمي

12:53 م اضف تعليق

 

أسامة فاروق


يقول محمد كلفت، مترجم كتاب "ولي النعم.. محمد علي باشا وعالمه"، أحدث كتب الباحث والمؤرخ د. خالد فهمي، إنه تلقى ألطف رأي سلبي من المؤلف على المسودة الأولى للترجمة؛ إذ تحفظ فهمي على ما اعتبره "احتراماً زائداً" له كمؤلف. ولعل هذه الملاحظة تكشف مفتاحاً منهجياً في الكتاب نفسه؛ فكما رفض فهمي أن يُحاط بهالة تقديس، حرص هو بدوره على ألا يقع ضحية "الاحترام الزائد" للشخصية التي يكتب عنها.

من هنا يبدأ الكتاب باقتباس لرحّالة إنكليزي التقى محمد علي شخصياً. اختار فهمي هذا الاقتباس تحديداً لأن صاحبه، في رأيه، لم يكتف بوصف دقيق للباشا، بل لم يقع أسير سحره، ولم يتخل عن حقه في إصدار حكم نقدي عليه. ذلك هو المبدأ الذي يحكم الكتاب كله، كما يقول: "أسعى إلى كتابة سيرة نقدية لهذه الشخصية الفذة، سيرة تقدر لمحمد علي مكانته الفريدة وتثمن إنجازاته العديدة دون أن تنزلق إلى التمجيد غير النقدي أو الإعجاب المفرط". يساعده في ذلك أن ولاءه، ليس للحاكم بل لرعاياه؛ للمصريين الذين نالهم - في تقديره - نصيب وافر من الظلم والهوان والمعاناة. وقد مهّد لهذه الرؤية في كتابيه السابقين: "كل رجال الباشا" و"السعي للعدالة"، حيث تناول في الأول جيش محمد علي وفكرته، وفي الثاني تقاطعات الطب والسياسة والقانون في مصر الحديثة. أما في هذا الكتاب، فلم يكن بدّ من العودة إلى البداية: سيرة الباشا نفسه، ميلاده وشبابه، وصولاً إلى لحظة قدومه إلى مصر وحتى وفاته فيها عن عمر ناهز الثمانين عاماً، لتكتمل بذلك ثلاثية محكمة ترصد فترة حكمه وتفكك مقولة "باني ومؤسس مصر الحديثة".

غير أن اللافت في هذا العمل لا يقتصر على زاويته النقدية، بل يمتد إلى نوعية مصادره. فقد اعتمد المؤلف بدرجة كبيرة على مراسلات محمد علي الشخصية إلى أبنائه ومرؤوسيه في المصالح المختلفة. وكان الباشا قد فطن مبكراً إلى أهمية التوثيق، فاعتنى بحفظ خطاباته، ثم واصل خلفاؤه تبويبها وترجمتها من أصلها التركي. وأصبحت هذه المراسلات نواة دار الوثائق القومية التي افتُتحت رسمياً عام 1954. وكان خالد فهمي من القلائل الذين أتيح لهم الاطلاع المباشر على هذه الوثائق، بل تعمق في تعلم التركية ليقرأ النصوص في أصلها قبل ترجمتها، وهو ما يمنح السيرة طابعاً فريداً، كأننا نصغي إلى صوت محمد علي نفسه.

سنوات العراك والبؤس

لا يُعرف الكثير عن أسرة محمد علي. علاقته بوالده - الذي شغل منصباً عسكرياً بحسب الروايات - تبدو مضطربة، بينما تولت أمه تنشئته تنشئة مدللة لم يرض عنها لاحقاً. لم يحب محمد علي طفولته في مدينة "قوله" شمال اليونان، ويقول في إحدى الوثائق: "أنا لا أحب تلك الفترة من حياتي... يكفيني أن تعرف الأجيال القادمة أن كل ما بلغه محمد علي لا يدين به لا إلى حظوظ الميلاد ولا إلى محاباة ولا إلى أحد سوى نفسه". وفي موضع آخر يصف تلك السنوات بأنها "سنوات العراك والبؤس، سنوات المكر وسفك الدماء". ويعتبر أن ميلاده الحقيقي بدأ عندما نزح من قوله ضمن القوة التي أُعدت لمواجهة الفرنسيين في مصر: "لن يبدأ تاريخي إلا حين يأتي زمن أتمكن فيه، بعد تحرري من كل قيد، من إيقاظ مصر، التي أحبها حبي لبلادي، من سبات العصور وأهيئها في خلق جديد". والمفارقة أنه حين وصل إلى الإسكندرية عام 1801 لم يكن شاباً غضاً، بل تجاوز الثلاثين، وكان متزوجاً وأباً لخمسة أطفال. غير أن السيرة - كما يصوغها هو - تبدأ من هذه اللحظة التي قرر فيها أن يعيد اختراع نفسه.

يلتقط فهمي هذا الخيط ليتتبع "الميلاد الجديد"، بل يضيف إليه ميلاداً آخر في ستينيات الباشا، حين أعاد تشكيل صورته ليصبح "رجل دولة عالمياً" يناطح السلطان العثماني. ففي سنواته الأولى بمصر لم يعد ذلك الشاب المندفع، بل قدّم نفسه للفصائل المتحاربة بوصفه حكماً "لا ناقة له ولا جمل" في صراعاتهم، وقادراً على تسوية النزاعات. وكأنما - في عبارة فهمي – "أعاد خلق نفسه في أربع سنوات؛ فخلع عباءة الفتوة القروي، ولبس لباس رجل الدولة بحق، رجل دولة يحظى بثقة الأصدقاء، واحترام الأعداء، وطاعة الأتباع". ومنذ أيامه الأولى في مصر سعى إلى بناء شبكة علاقات مع المشايخ والأعيان، بثقة ومكر مكّناه من أن يبدو وكأن فرمان توليته جاء استجابة لرغبة المصريين لا طموحاً شخصياً منه. ثم، عبر سلسلة من الإجراءات المتعاقبة، عزز قوته الاقتصادية بالاستحواذ والاحتكار، ورسّخ موقعه السياسي بالتخلص من منافسيه، وعلى رأسهم المماليك.

ضرورة المذبحة

جاءت مذبحة المماليك كلحظة الحسم؛ فبعد عشر سنوات من وصوله، وست سنوات من تعيينه والياً، انفرد بحكم البلاد. وخلال تلك الفترة، كما يرصد الكتاب، نجح في تحجيم الزعامات الشعبية، وفرض الضرائب على أراضي رجال الدين، وقلص امتيازاتهم، وأرسى في الوقت نفسه أسس ثروته الخاصة. ومن جديد تتيح المراسلات سماع الرواية بصوت صاحبها. ففي رسالته إلى الصدر الأعظم يشرح ملابسات المذبحة ببرود إداري يكشف منطقه في الحكم، معتبراً ما جرى ضرورة سياسية لا مفر منها. يقول محمد على في رسالته لشرح ملابسات هذا الحدث الجلل: "عندما اقتنع عقلي القاصر بأن هؤلاء الأشقياء يختارون الهلاك... ولا ينجذبون إلى خدمتنا المصطنعة ولا يقعون في فخنا المدبر تذرعت بوسيلة موكب إخراج ولدي طوسون أحمد باشا إلى بركة الحج، فجلب جميع من في خدمتنا ظاهراً حسب الضرورة من الأمراء المماليك البالغ عددهم أربعة وعشرين أميراً وجميع الكشاف وأعوانهم... وأتباع هؤلاء الفارين الذين أتوا في النهاية، وأدخلوا القلعة جميعهم وغلقت أبواب القلعة عقب ذلك، فقتل الأشقياء المرموقون جميعاً من غير إخلاء أحد منهم، وأرسلوا إلى ديار الموت والعدم".

من يراقب الحرس؟

اعتمد محمد علي على دائرته العائلية في تنفيذ سياساته، حتى أصبحت الأسرة نفسها مركز السلطة. وصار أفراد النخبة الجديدة يقيسون وزنهم بمدى قربهم منها. ولضبط هذه الدائرة، أخضع المقربين لرقابة دقيقة، وكان من أبرز معاونيه محمد لاظ أوغلي الذي أحبط أكثر من مؤامرة. كما لعب بوغوص يوسيفان دوراً محورياً في علاقاته بالتجار الأوروبيين. ويروي الكتاب قصصاً تكاد تبدو خيالية عن علاقتهما؛ إذ اعتز الباشا بنصائحه حيناً، ونقم عليه حيناً آخر حتى أمر بقتله، ثم أعاد استدعاءه عندما علم بأن أمره لم ينفذ، لتتوثق العلاقة بينهما حتى صار بوغوص بمثابة "مرآته الشخصية"! وعندما توفي، غضب الباشا لأن جنازته لم تُقم على النحو اللائق، فأمر بإعادة دفنه في جنازة عسكرية، فعندما سمع بأنه وورى التراب على عجل أرسل خطاباً إلى قائد قواته قال فيه: "إلى نجلي المبجل جداً إلى السيد المحظوظ جداً عثمان باشا؛ إنك حمار؛ إنك غبي. كيف لا تصطحب أنت والقوات تحت إمرتك الرجل الذي أخلص لك وقام بتربيتك إلى مثواه الأخير؟! عندما يصلك هذا الأمر توجه في الحال أنت وكل الضباط في حامية الإسكندرية إلى كنيسة الأرمن وقم بإخراج جثمان بوغوص وادفنه مرة أخرى في جنازة عسكرية وتشريفة، أحذرك أن تعصي الأوامر".

كان محمد علي يؤمن بأن ترهيب المرؤوسين هو السبيل الأنجع لفرض النظام. وتمتلئ مراسلاته بالتحذير من التهاون والتقصير. غير أن مشكلة النخبة - كما يطرح فهمي في سؤاله: "من يراقب الحرس؟" - لم تكن في الكسل وحده، بل في الفساد وسوء استخدام السلطة. وكان الباشا واعياً بخطورة ذلك على استقرار حكمه، فكان يتدخل بحزم بالغ، إلى حد أنه أمر بقتل ابنته نازلي عندما علم بأنها أمرت بقتل إحدى جواريها بدافع الغيرة، ولم يُنقذها سوى تدخل عباس باشا. لذلك كانت دائرة مستشاريه تعامله وكأنه "مصدر الوحي، وتردد كل ما يقوله، وتظهر له أن أحكامه فوق مستوى الخطأ".

محاكمة

بحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان قد أنجز مشاريع كبرى بدت لكثيرين "أحلام رجل مجنون". وعلى مدى 43 عامًا من الحكم، رسّخ سلطته، وأنشأ نواة جيش نظامي، وخاض حروباً توسعية، وانتزع في النهاية فرماناً بالحكم الوراثي لأسرته بعد صراع طويل مع السلطان العثماني. غير أن هذه الإنجازات تحققت بكلفة باهظة. فقد أُنهك الاقتصاد المصري، وتعرض الفلاحون لسياسات تعسفية واحتكارية صارمة. لذلك يخلص فهمي إلى أن "ولي النعم" - اللقب الذي أحبّ محمد علي أن يُدعى به - لم يقُد البلاد للحاق بركب الحضارة كما روّجت السردية التقليدية، بل كان سبباً في إفقار واسع ومعاناة ممتدة. ومع ذلك، لا يقدّم المؤلف حكماً نهائيا مجرداً، بل يربط التقييم بزاوية النظر؛ فإذا تجاهلنا السياق العثماني وحوسب محمد علي بمنظور الدولة القومية الحديثة، بدا مشروعه فاشلاً أو مشوّهاً. أما إذا قُرئ وفق منطق الباشا نفسه في النظر إلى مصر باعتبارها "بقرة حلوب، أو دجاجة تبيض ذهبا" أو بالأحرى "عزبة خاصة ملأى بهذه الأبقار والدجاجات" فإن مشروعه - بهذا المعنى - نجح نجاحاً مذهلاً.

--------------------------

خالد فهمي؛ يشغل منصب أستاذ كرسي إدوارد كلر لدراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة تافتس بالولايات المتحدة. له مؤلفات عديدة بالعربية والإنجليزية في موضوعات تتعلق بتاريخ مصر. من مؤلفاته: "كل رجال الباشا: محمد على وجيشه وبناء مصر الحديثة"، و"السعي للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة". "ولي النعم" أحدث أعماله وصدر مؤخرا عن دار الشروق.

هل استلهم دانتي «معراج» أبي القاسم القشيري في «الكوميديا الإلهية»؟

9:17 ص اضف تعليق


روما: موسى الخميسي

في خطوة استباقية، أعلنت رئاسة الجمهورية الإيطالية، تقديم بدء احتفالاتها سنة كاملة، بمناسبة الذكرى 700 لوفاة شاعر إيطاليا الكبير دانتي (1265 ـ 1321)، الذي وصفه رئيس الجمهورية سيرجو ماتاريلا بـ«مصدر إلهام لكل الأجيال من الشعراء والفنانين والسياسيين من الذين بنوا وحدة إيطاليا. وهو الأب والركيزة الأساسية لها. لقد انبعثت روح دانتي من إيطاليا إلى العالم، وأضاءته بالشعر والجمال والعاطفة والشجاعة». وقد بدأت الاحتفالات التي ستستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) من العام المقبل، ببرنامج موسيقي أوركسترالي أوبرالي، لعدد كبير من الأعمال الموسيقية الكلاسيكية والأوبرالية المحلية والعالمية التي استلهمت من «الكوميديا الالهية»، في إحدى قاعات قصر الكورينالي الجمهوري.

ويتزامن هذا الاحتفال مع احتفالات أخرى تنظم في كل من مدينة فلورنسا، ومدينة رافينا، ومدينة أسيسي، وتتضمن ندوات ومحاضرات، وقراءات شعرية، وعرض أفلام روائية ووثائقية، جنباً إلى جنب أعمال موسيقية غنائية كورالية، وافتتاح معارض فنية غرافيكية تنظمها بلديات هذه المدن، بالاشتراك مع منظمات ومكتبات ومسارح محلية وعالمية.

ولد دانتي أليغييري بتاريخ 12 مايو (أيار) سنة 1265 في عائلة لها باع طويل من الانخراط في المشهد السياسي المعقد لمدينة فلورنسا، وقد انعكس هذا الأمر في فصل «الجحيم» من كتابه الفخم «الكوميديا الإلهية» الذي ألفه لاحقاً.

توفيت والدته بعد ولادته بسنوات قليلة، وعندما بلغ من العمر 12 عاماً، جرى ترتيب زواجه من جيما دوناتي، ابنة إحدى العائلات الفلورنتينية. إلا أن دانتي كان هائماً في غرام امرأة أخرى، اسمها بياتريسا، التي ستكون صاحبة تأثير كبير عليه، وستشكل شخصيتها أساس ملحمة الكوميديا الإلهية. وكان حب دانتي لها سامياً ومخلصاً، ولكن تشاء الظروف أن تتوفى بياتريسا سنة 1290، فحزن دانتي حزناً عظيماً، وعبر عن مشاعره في كتابه «حياة جديدة»، الذي نشر سنة 1295. وفيه يعبر عن وقائع وأحداث السيرة الذاتية، فهي تحكي حياة دانتي الروحية، وقد نظمت في 42 فصلاً بنثر مترابط في قصة متجانسة، تشرح سلسلة من القصائد المركبة والمنظومة في أوقات مختلفة.


في ذلك الوقت، اشتدت المكائد التي كانت تحاك بمدينة فلورنسا، وعمت الفوضى والاضطرابات أرجاء هذه الإمارة المستقلة، خصوصاً مع وجود جماعات متصارعة يمثل كل منها الإمبراطور أو البابا. وشغل دانتي آنذاك عدداً من المناصب المهمة في فلورنسا، غير أنه فقد شعبيته في عام 1312، ونفي إلى خارج المدينة على يد قادة جناح فصيل سياسي كان مسيطراً على الحكم، ومتحالفاً مع البابا بونيفاس الثامن (سيُذكر هذا البابا إضافة إلى شخصيات سياسية أخرى في فصل الجحيم ضمن كتاب «الكوميديا الإلهية»). فالتجأ إلى مدينة بولونيا سنة 1304التي كانت معقل المثقفين المنفيين. عزف دانتي عن ممارسة أي نشاط سياسي، وباشر تأليف الكتب، وتخيل في ذهنه الملامح الأولى للكوميديا الإلهية. وهناك بدأ بتأليف كتابه اللاتيني «اللهجة العامية»، الذي طرح فيه إمكانية إضافة بعض جوانب اللهجات الإيطالية المحكية غير المستخدمة في السياقات الأدبية، إلى الإيطالية العامية المستخدمة في قسم من المؤلفات، بحيث تغدو الإيطالية لغة أدبية رصينة. ووفقاً لدانتي، ستكون اللغة الجديدة إحدى الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتوحيد الأراضي الإيطالية المنقسمة.

في عام 1306، طرد جميع منفيي فلورنسا من مدينة بولونيا، فانتقل دانتي إلى مدينة رافينا، ولكن حياته بعد ذلك بعدة سنوات كانت غامضة ومجهولة، إذ تؤكد بعض الأخبار أنه أمضى عامين في باريس من سنة 1307 إلى 1309، وأثناء وجوده، اطلع على كتاب «المعراج» لأبي القاسم عبد الكريم القشيري، المترجم إلى الفرنسية التي كان يجيدها دانتي إجادة تامة، والكتاب كما يؤكد المستشرق الإسباني مانويل آسين بلاثيوس، الذي ألف كتاب «دانتي والإسلام» عام 1927، يشير إلى مصادر دانتي العربية، من خلال وجود تشابه كبير بين «الكوميديا الإلهية» وموضوعات عربية، استيقت من كتاب «المعراج». وقد ساد صمت وتكتم امتد إلى عام 1949، حيث عثر على مخطوطات يدوية تحمل عنوان «معراج محمد» مترجمة عن اللغة اللاتينية، بعدة نسخ في عدة بلدان أوروبية، إضافة إلى مكتبة الفاتيكان، تحمل تاريخ العام الذي ولد فيه دانتي. وهذه الأوراق المستنسخة بخط اليد تعكس التشابه الكبير بين الكوميديا وكتاب المعراج. في عام 1949 ظهر كتاب باللغة الإيطالية تحت عنوان «المعراج والمصادر العربية الإسلامية للكوميديا الإلهية»، قام بتأليفه المستشرق الإيطالي إنريكو جيرولي، وكان حينها سفير بلاده لدى إيران، ويحمل تكراراً لما كتبه المستشرق الإسباني بلاثيوس. وقبل سنتين من هذا الحدث، قام المستشرق الإنجليزي نيكلسون، بنشر مقال تحت عنوان «الجذور الفارسية لدانتي».

ومن المعروف، أن الكوميديا الإلهية عمل ملحمي شعري يصّور الحياة الإنسانية وفقاً للرؤية المسيحية للحياة الآخرة، وقد كانت أشبه بصرخة تحذير تدعو المجتمع الغارق في الفساد إلى سلوك طريق البر والصلاح. يتبع القارئ في هذا العمل رحلة دانتي عبر الحياة الآخرة، التي تقسم إلى 3 عوالم هي: الجحيم، والمطهر، والفردوس. ويقود الشاعر الروماني فيرجل، دانتي، في رحلته عبر الجحيم والمطهر، في حين تقوده بياتريس في رحلته عبر الفردوس.

وتبدأ هذه الرحلة من الليلة التي تسبق الجمعة العظيمة إلى يوم الأربعاء بعد عيد الفصح في ربيع عام 1300. يسود بنية العوالم الثلاثة في الآخرة نمط مشترك مكون من 9 طبقات (حلقات)، وحلقة عاشرة؛ فالجحيم مثلاً مكون من 9 طبقات يليها مكان وجود الشيطان في قاع الجحيم، وكذلك يتكون المطهر من 9 طبقات توجد في أعلاها حديقة عدن، أما الفردوس فتوجد فيه 9 طبقات يليها عرش الرب. تتألف الكوميديا الإلهية من 100 أنشودة كتبت وفق مقياس معروف باسم «اللحن الثالث»، حيث يظهر الرقم 3 في كل أجزاء العمل. في الجحيم، يقود «فيرجل» دانتي مع مجموع من الخطاة خلال الرحلة، ويتبادلون الحديث مع بعض الشخصيات. كل حلقة في الجحيم خاصة بأُناس ارتكبوا خطيئة محددة، ولم يدخر دانتي ما يمتلكه من إبداع فني في وصف مشهد العقاب وصياغته شعرياً لكل حلقة. وفي المحطة الأخيرة في الجحيم، يقابل دانتي وفيرجيل الشيطان مدفوناً في الجليد حتى خصره، ويرقد إلى جواره كاسيوس ويهوذا وبروتوس، أكبر الخونة في التاريخ. بعد الجحيم، ينتقل دانتي وفيرجيل إلى المطهر، وهو عبارة عن جبل متدرج مكون من 7 طبقات يسودها العذاب والتطهر الروحي (تركز الطبقات إلى الخطايا السبعة).

وخلال الرحلة، يقابل دانتي بعض الشخصيات التي كانت بارزة في مجالات الثقافة والعدل والمحبة مثل توما الأكويني، والملك سليمان، والجد الأكبر لدانتي. وفي نهاية الرحلة، يقابل دانتي شخصية أدبية من القرن الثالث عشر، كان شاعراً وكاتباً، ورجل سياسة، فلورنسي الأصل، يعتبر أكبر شاعرٍ في اللغة الإيطالية، ولهذا السبب لقّب بأكبر وأرقى شاعر. وهذا الشاعر هو دانتي إليغييري.

وتوفي دانتي في 14 سبتمبر (أيلول) 1321 برافينا، بعد عودته من فينيسيا عن عمر يناهز 56 عاماً، بعد إصابته بمرض الملاريا، ودفن في كنيسة القديس بير مجيور في مدينة رافينا.


المصدر: جريدة الشرق الاوسط

أطلال سامر أبو هوّاش

9:10 ص اضف تعليق

 صدرت عن منشورات المتوسط -إيطاليا، المجموعة الشعرية الجديدة للمترجم والشاعر الفلسطيني سامر أبو هوّاش، وحملت عنوان "أطلال"، والإصدار الجديد هو الكتاب الثاني للشاعر ضمن سلسلة براءات التي تُصدرها المتوسّط، بعد "ليس هكذا تصنع البيتزا" سنة 2017.

 


تتكشَّفُ قصائد سامر أبو هوّاش، في هذه التجربة الجديدة، المُنفصِلة والمُكمِّلة في آنٍ واحدٍ لمشروعه الشعري، من خلالِ عتبةِ العنوان الذي جاء بخلافِ جلّ عناوين أبو هوّاش السابقة، هكذا بكلمةٍ تجمعُ في مفردتها تاريخاً من انهيار المُشيَّد في الحياة، وتآكلِ جوانبهِ، وتحوُّله إلى: أطلال. ولتكون للشاعر أطلالهُ، بكتابةٍ داخلية مكثفَّة، تنزعُ إلى مجازاتٍ مقتصدةٍ ولغةٍ تميلُ إلى استنطاقِ الصمت، حيثُ مع كلِّ سطرٍ تشعر بالمرارة وأنت تسخر من هذا العالم.

 

"البحيرةَ التي انتظرْنَاها طَويلاً جِداً لَمْ تَعدْ أكثرَ مِنْ ضَبابٍ يَتمدّدُ، كرَقصةٍ بَطيئةٍ، على جَانِبَيْ حَياةٍ،/ لَمْ تَعُدْ هنا". كلُّ شيء غادرَ، أو على أهبةِ الذَّهاب، لا شيء يأمنُ في بقائه لشيء، حتى المُدن والجدران والأشياء كما الأشخاص تغادر، وتترك مساحةً يحتلُّها الفراغ، يصعبُ تجاوزها وقد تحوَّلت إلى ذكرياتٍ تحملُها على ظهركَ فتُقوِّسه، وأنت تمشي في طريق الحياة، غير آبهٍ، كمن يجمعُ الهواء.

 

لكن الكتابة عند سامر أبو هوَّاش هي فعل استمرارٍ وجدالٍ وإلحاح "كضوءٍ سيَّارةٍ،/ يَظلُّ يَعبرُ/ تَحتَ قمَرٍ مُكتَمِلِ اليباسْ".

 

"أطلال" مجموعة شعرية جديدة للشاعر الفلسطيني سامر أبو هوّاش، صدرت في 112 صفحة من القطع الوسط، ضمن سلسلة "براءات" التي تصدرها الدار منتصرةً فيها للشعر، والقصة القصيرة، والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.

 

من الكتاب:

أَفَقتُ على سَرَابِ دَمعَةٍ،

وَكَانَت الأَرضُ مَنهوبَةً

بأشبَاحِ ذكرَيَاتٍ

تَتَلألأُ بَاهتَةً،

كَشَمسٍ قَديمَةٍ مُلقَاةٍ كمِعطَفٍ

أتلفَهُ الأسَى

على كُرْسيّ مَهجورْ.

 

وَكَانتْ صَبّارةٌ يَتيمَةٌ

على عَتَبةٍ مُتوَهّمَة؛

حَيثُ ظلالٌ تَعبرُ خِلسَةً

بَيْنَ جِدَارَينِ

أو بَيْنَ حَياتَينِ مُعَارَتَينِ،

وحيثُ لَمَسَاتٌ تَتَبَخّرُ كَلمَاتٍ

وشُرفاتٍ هَشّةً وفقاعات:

حتى تَصيرَ خِفّةً خَالصَةً

في ميزَانِ الهَوَاءْ.

 

سامر أبو هواش: شاعر وكاتب وصحفي فلسطيني، ولدَ في لبنان عام 1972، عملَ طويلاً في الصحافة الثقافية وترأس تحرير ملاحق ثقافية عديدة في جريدة السفير، والمستقبل، والنهار، وزهرة الخليج، ونداء الوطن، كما عملَ مديرَ تحرير موقع الإمارات 24، (2012 - 2017). لهُ مجموعة كبيرة من المؤلفات تجاوزت 30 عنواناً في كل من الرواية والشعر والتراجم. منها: "سوف أقتلك أيها الموت". "سيلفي أخيرة مع عالم يحتضر"، "السعادة أو سلسلة انفجارات هزت العاصمة"، "ليس هكذا تصنع البيتزا". حصل على مجموعة من التكريمات وجوائز التقدير، منها تكريم وزارة الإعلام اللبنانية عام 2000.

قصيدتان لمحمد ديب

9:01 ص اضف تعليق



 ترجمة: مبارك وساط


عاينتُ الجَزع


----------


عاينتُ الجَزع


المتمرّدَ القاتم


وهو يُحْرِق عينيك


فيما، بتأنّ


يهيم وئيدا


لِصْقَ الثّرى


ويسري في الفضاء


الذي أصبح من رماد


نشيدُ براءة




 


ضوء معاكس


--------------


تظهرُ الطّيور


تشتعل شُعلة


وها هي المرأة


.


بلا اسم ولا ارتباطات ولا شراع


تهيم بعينين مغمضتين


المرأة التي 


تغطّيها طراوة البحر


.


لكن فجأةً تظهر الطّيور من جديد


وتتمدّد هذه الشّعلة 


التي هي أكثر من ملموحة 


في عمق الغرفة


.


وها هو البحر،


البحر بيديه المنوِّمتين 


يحمل الشّمس


وما من مشرق ولا شرق، 


ما من متراس ولاحاجز، 


إنّه البحر؛


.


وحده البحر المجلّل بالظّلمة، الرّقيقُ


السّاقِط من بين النّجوم، 


الشّاهد على حالات البتر 


التي تتعرّض لها السّماء، 


عزلة، أحاسيس سبقيّة، همس خفيف:


.


ذاك البحر ولا شيء آخر


بعيونه المُطفأة،


بلا موج ولا ريح ولا شراع


.


وفجأةً، تظهر الطّيور من جديد؛


وها هي المرأة،


إنّها ليست نجمة ولا حُلماً، 


ليستْ عينَ ماء حارّ


ولا عَجَلةً، المرأة.


.


وتعود العصافير؛


وما من شيء سوى البحر.


-------------------------------------




- ملاحظة: النقط الفاصلة، أعلاه، بين مقاطع هذه القصيدة، من إضافتي، وهي وسيلة فقط


للفصل بين هذه المقطوعات، فالفيسبوك لا يحترم البياضات داخل النّصوص، ولذا وجب 


اللجوء إلى المُداورة!